الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان: "حياة امرأة": سلاسة ورشاقة وعمق

نشر في  14 ماي 2026  (16:16)

بقلم الناقد الطاهر الشيخاوي

الكلّ لاحظ قلّة السينمائيات في هذه الدّورة، وهو أمر لا شك فيه. أما أسبابه فعميقة والمسؤولية لا ترجع فقط للمبرمجين. القضية في غاية من الأهمية وإثارتها مشروعة. ودليل مشروعيتها هو ما نكتشفه من حين إلى آخر.

فلا بد هنا من التنويه بشدّة بالقيمة الفنية العالية لشريط "حياة امرأة" للمخرجة الفرنسية شارلين بورجوا تاكي.

 نتابع الحياة اليومية لجبريال امرأة في الخمسينيات من العمر، رئيسة قسم جراحة الوجه والفكين. الموضوع بسيط ومتداول لا يحمل مبدئيا ما يثير فضول المتابع الجدّي، فأهميته السوسيولوجية تتجاوز بكثير عدد الأفلام (وهي قليلة جدّا) التي تعمقت في معالجته.

لم تنح المخرجة المنحى الدرامي المعتاد أي لا وجود لتسلسل خطيّ للأحداث يجعلك تتابع تقلّبات الشخصية، وتطور حالتها الاجتماعية والسيكولوجية يرمي إلى غاية أيديولوجية ضيقة.

تركيبة الشّريط مبوّبة وفق مواضيع مختلفة كورقات مكتوبة لبورتري يكشف تحت كلّ عنوان وجهًا من الأوجه المختلفة للشخصية، يتجلى كلّ وجه من خلال وضعية خاصّة.

تنتقلُ الكتابة من حالة إلى حالة في شكل دائري ومفتوح في نفس الوقت. تتكرر الوضعيات، فنرى جبريال في نفس الأماكن تقريبا مع نفس الأشخاص تتعاطى نفس النشاط في المستشفى والمنزل، تتعرض إلى نفس الصعاب والعراقيل، تقاوم بنفس الثبات والقوة للقيام بعملها على الوجه الأكمل وفي الوقت ذاته (هنا تكمن المفارقة الجميلة) نتقدّم شيئا فشيئا في معرفة الشخصية والغوص في جوانب مختلفة من نفسيتها لا بفعل التسلسل الدرامي المبني على مرور الزمن وانما وفق مرافقة لصيقة تجعلنا نتعمق أكثر في طيّات الشخصية. تماما كما لو كنّا نعيش معها يوميّا. هذا لا يعني غيابا تاما للكتابة الدرامية. الكتابة مؤكدة ولكنهاهادئة وسلسة، فدخول الكاتبة فريدا في حياة جبريالا ساهم بقسط وافر في اكتشاف خفايا شخصيتها.

فريدا اعترضت سبيلها في لحظة دقيقة من حياتها، دفعها إلى تقييم مسارها المهني والشخصي، معيدة النظر في رغباتها الاجتماعية والنفسية والعاطفية والجنسية. تمثل فريدا إلى حدّ ما وجها آخر من شخصية جبريالا، مرآة خفية أو مخفية لها. فرصةً كانت، وان عابرة، جعلتها تتعرف على ذاتها أو جانب من ذاتها.

لا بد من التأكيد هنا على أن الفضل الكبير في هذا التمشي يرجع إلى أداء ليا دروكير. فكانت كعادتها مدهشة. لها قدرة فائقة على تقمص الشخصية. تنعدم معها المسافة الفاصلة بين الممثلة والممثَّلة كما لو كانت القصّة قصّتَها. لا أستبعد شخصيا أن تتحصل على جائزة بل أعتقد أنها جديرة بها.